الإحسان


الإحسان أعلى مراتب الدين، وأجل أنواع الطاعات، وأعظم أبواب القرب من الله عز وجل.

 

وهو في مفهومه اللغوي: ضد الإساءة، وهو إتقان العمل والإتيان به على الوجه الأكمل.

وأما مفهومه الشرعي: فيختلف باختلاف السياق الذي يرد فيه، فإذا اقترن بالإيمان والإسلام كان المراد به: المرتبة الثالثة من مراتب الدين، وقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك..».([1])

 

وعبادة الإنسان ربه كأنه يراه هي درجتان:

1- عبادة طلب وشوق، بأن يجد الإنسان من نفسه حاثًّا عليها، لأنه يطلب هذا المعبود الذي يحبه، فيعبده كأنه يراه، ويقصده وينيب ويتقرب إليه سبحانه وتعالى.

2- عبادة خوف وهرب، بأن تعبد الله عبادة خائف منه، هارب من عذابه وعقابه، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.

 

فالعبادة مبنية على هذين الأمرين: غاية الحب، وغاية الذل، ففي الحب الطلب، وفي الذل الخوف والهرب، فهذا هو الإحسان في عبادة الله عز وجل.

وإذا ورد الإحسان في سياق العبادات والطاعات والقُرَب فالمراد به: الإخلاص، وتصحيح القصد والنية، وأداء العبادة على الوجه الأتم والأكمل كما ورد به الشرع، كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } [الملك: 2] قال الفضيل بن عِيَاض - رحمه الله - في قوله تعالى: {ليَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}: «أخلصه وأصوبه ... إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنة».

 

وإذا ورد الإحسان في سياق معاملة الناس ومعاشرتهم فالمراد به: بذل المعروف، وكف الأذى.

فيبذل المعروف لعباد الله في ماله، وعلمه، وجاهه، وبدنه.  

فأما المال فبأن ينفق، ويتصدق، ويزكي، وأفضل أنواع الإحسان بالمال الزكاة، لأن الزكاة أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، ولا يتم إسلام المرء إلا بها، وهي أحب النفقات إلى الله عز وجل، ويلي ذلك ما يجب على الإنسان من نفقةٍ لزوجته ووالديه وذريته وقرابته وأرحامه، ثم الصدقة على المساكين وغيرهم ممن هم أهل للصدقة، وكذلك الإنفاق في المشاريع الخيرية والمنافع المتعدية والمصالح العامة.

وأما بذل المعروف في الجاه فهو أن يبذل من جاهه لمن يطلب منه الشفاعة إلى ذي سلطان أو غيره، إما بدفع ضرر عنه، أو بجلب خير له.

وأما بذل المعروف في العلم فبأن يبذل علمه لعباد الله تعليمًا وتوجيهًا وإرشادًا، بما يتسر له من وسائل نشر العلم.

وأما الإحسان إلى الناس بالبدن فبمثل ما جاء في الحديث النبوي: «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة».([2])

أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك من الإحسان إلى عباد الله.

 

  •  من فوائد الإحسان:

1- للإحسان ثمرة عظيمة تتجلّى في تماسك بنيان المجتمع وحمايته من الخراب والتهلكة ووقايته من الآفات الاجتماعية الناجمة عن الخلل الاقتصادي.

2- المحسن يكون في معيّة الله عزّ وجلّ، ومن كان الله معه فإنّه لا يخاف بأسًا ولا رهقًا {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].

3- المحسن يكتسب بإحسانه محبة الله عز وجل {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: 195].

4- للمحسنين أجر عظيم في الآخرة حيث يكونون في مأمن من الخوف والحزن {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112].

5- المحسن قريب من رحمة الله عز وجل {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].

6- المحسن مبشر بخيري الدّنيا والآخرة {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37].

7- المحسن مبشر بالنعيم في الآخرة {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34].

8- لبعض أنواع الإحسان ثمار خاصة تعود على المحسن بالخير العميم في الدّنيا والآخرة، فمن ذلك:

أ- إحسان المرء وضوءه وخشوعه وركوعه يكفر السيئات الماضية، ويستمر التكفير ما استمر الإحسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله».([3])

ب- إحسان المرء إلى جاره علامة صادقة على حسن إسلامه قال صلى الله عليه وسلم: «وأحسن جوار من جاورك تكن مسلمًا».([4])

ج- إحسان المرء في تربية بناته والسعي على رزقهن يجعل من هذه البنات سترا له من النار قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي من هؤلاء البنات بشيء، فأحسن إليهن كن له سترًا من النار».([5])

 

 

المراجع:

شرح حديث جبريل لابن عثيمين.

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم.

 

[1])) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه انظر صحيح البخاري (1/ 27 رقم: 50) وصحيح مسلم (1/ 40 رقم: 10).

[2])) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه انظر صحيح البخاري (3/ 1059 رقم: 2734) وصحيح مسلم (2/ 699 رقم: 1009).

[3])) صحيح مسلم (1/ 206 رقم: 228).

[4])) سنن ابن ماجه (5/ 300 رقم: 4217) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 840 رقم: 4580).

[5])) متفق عليه من حدي عائشة رضي الله عنها انظر: صحيح البخاري (5/ 2234 رقم: 5649) وصحيح مسلم (4/ 2027 رقم: 2629).





ترجمة المقال