مقتطفات من كتاب: الإسلام على مفترق الطرق


مقتطفات من كتاب: الإسلام على مفترق الطرق

تأليف : محمد أسد – Leopold Weiss

  • كان ما أفكر به عندما ألفت هذا الكتاب إنما هو إيقاظ وعي المسلمين ليروا أنهم اجتماعياً وثقافياً مختلفون عن المجتمع الغربي البالغ القوة، ومن ثم تعميق اعتزازهم بتقاليدهم ومؤسساتهم وتمسكهم بها بما يبقي هذا الاختلاف المهم حياً، ويجعلهم مرة أخرى مبدعين ثقافياً.
  • في عام 1922م تركت موطني ( النمسا) للسفر .. متنقلا في الشرق الإسلامي .. رأيت أمامي نظاما اجتماعيا ونظرة إلى الحياة مختلفة بشكل أساسي عما يعرفه الأوروبي. ومنذ البداية نما في نفسي تعاطف مع الحياة الأكثر هدوءا، وبتعبير أصح: الأكثر إنسانية، بالمقارنة مع نوع الحياة السريع والميكانيكي في أوروبا. وهذا التعاطف قادني تدريجيا إلى البحث عن أسباب هذا التفاوت، فصرت مهتما بالتعاليم الدينية عند المسلمين... وهذا الاهتمام فتح لي أفقا جديدا ظهر لي منه مجتمع إنساني تقدمي منظم بأقل حد من التضاد الداخلي وأوسع حد من الشعور الأخوي.
  • الحقيقة أن حياة المسلم المعاصرة بعيدة جدا من الإمكانات المثالية في التعاليم الدينية للإسلام. وكل ما كان في الإسلام تطورا وحركة تحول إلى توان وجمود... حاولت حلّ المشكلة الماثلة أمامي من وجهة نظر حميمية... لقد تأكدت أن السبب الأول والوحيد في انحطاط المسلمين اجتماعيا وثقافيا هو أنهم توقفوا تدريجيا عن اتباع تعاليم الإسلام. الإسلام لا يزال موجودا، ولكنه جسدا بلا روح.
  • لماذا اعتنقت الإسلام ؟ ومـا الذي جذبك إليه خاصة ؟ ولابد أن أعترف بأنه ليس عندي جواب مقنع بمفرده. لم يكن أمرا واحدا محددا بين تعاليمه ما جذبني إليه؛ وإنما كانت بنيته الكاملة العظيمة المترابطة من التعاليم المعنوية والنظام العملي للحياة. وإلى اليوم لا أستطيع أن أقرر أي جانب منه استمالني إليه أكثر من الجوانب الأخرى. الإسلام يبدو لي مثل عمل هندسي متكامل؛ كل أجزائه قدّرت بتناسق ليتمم ويؤيد بعضها بعضا. لا شيء فيها يزيد عن الحاجة أو ينقص عنها. والنتيجة: بناء متناه في التوازن والائتلاف المتماسك. وربما كان هذا الإحساس بأن كل شيء في تعاليم الإسلام وقواعده قد وضع في مكانه الصحيح هو الذي أعطاني الانطباع الأقوى عنه.
  • ومنذ ذلك الحين حرصت على تعلم أكثر ما يمكنني تعلمه عن الإسلام. ... وقد استطعت المقارنة بين معظم الآراء الدينية والاجتماعية المختلفة الشائعة في العالم الإسلامي في هذا العصر. هذه الدراسات والمقارنات أوجدت فيّ اقتناعا صلبا بأن الإسلام بوصفه ظاهرة اعتقادية لا يزال على الرغم من كل المشكلات التي ظهرت بسبب تقصير المسلمين، هو الأعظم بين القوى الدافعة التي عرفتها البشرية.
  • الإسلام ليس مجرد اتجاه روحي عقلي يمكن تعديله ليوافق مختلف الأجواء الثقافية، بل هو مجرة متكاملة لا مثيل لها من النظم الثقافية والاجتماعية الواضحة المعالم.

وعندما يمتد تأثير حضارة أجنبية إلينا فيسبب تغييرات معينة في حياتنا الثقافية فإنه لا بد لنا من التأكد عمّا إذا كان هذا التأثير الأجنبي يجري في اتجاه إمكانياتنا الثقافية أو معاكسا لها؟

  • ولأن الحضارة الإسلامية – أساسا - دينية؛ فيجب  علينا أن نحاول تحديد الوظيفة العامة للدين في حياة البشر.
  • ما نسميه (التوجه الديني) إنما هو نتيجة  طبيعية لتكوين الإنسان العقلي والعضوي. فالإنسان غير قادر على معرفة سرّ الحياة، سرّ الولادة والموت، وسرِّ الأزلية والأبدية... وعليه أن يختار إحدى وجهتين لا ثالث لهما:
  • الأولى: أن يتوقف عن كل محاولة لفهم الحياة بعمومها. وفي هذه الحالة عليه أن يعتمد على دلائل التجارب الخارجية وحدها؛ فيحد فهمه للحياة بحدود هذه التجارب، وبهذا يستطيع فهم جزئيات مفردة من الحياة يمكن تزداد حسب زيادة المعرفة البشرية للطبيعة، ولكنها ستبقى جزئيات فقط؛ لأن المعرفة الكاملة للحياة عامة ستبقى بعيدة عن متناول وسائل وأدوات العقل البشري.
  • الثانية: أن يختار طريق الدين، وهذا يقوده، بواسطة تجربة ذاتية يغلب عليها الإلهام، لقبول حل وجداني للحياة باعتقاد وجود قوة خلاقة عليا تحكم الكون وفق تقدير أزلي لا يدركه الفهم البشري.
  • (والتوجه الديني) هو الاحتمال النظري الوحيد لفهم الحياة فهما كليا يتحد فيه أصل الحياة وغاياتها في شمول موزون متناسق....
    • والإنسان المتدين يعلم أن كل ما يحدث له أو منه يستحيل أن يكون نتيجة لعبة عمياء لقوى غير عاقلة وبلا غاية، بل هو على يقين من أن ذلك يتم بإرادة الله وحده وفق علمه بخلقه وقدره الكوني الشامل، وبهذا يتمكن الإنسان من حل النزاع المستحكم بين النفس البشرية وبين عالم الوقائع والمظاهر المسمى بالطبيعة.
    • والفائدة العظيمة التي يقدمها الدين للإنسان هي بأن يجعله يتحقق أنه لا يمكن إلا أن يكون وحدةٌ محكمة التقدير في حركة الوجود. والنتيجة العقلية لهذا الإدراك: شعور عميق بالأمان النفسي؛ ذلك التوازن بين الآمال والمخاوف الذي يميز المتدين عن غير المتدين. ص25
    • وتشترك الأديان في مطالبتها الأخلاقية للإنسان بأن يستسلم لإرادة الله العليا. ولكن الإسلام وحده يذهب إلى أبعد من البيان النظري ، فتعاليمه لا تتوقف عند وحدة الحياة بل إن الإسلام يرينا الطريق العملي لينتج كل منا – حسب طاقته - وحدة الفكر ووحدة العمل في وجوده وفي وعيه.
    • الإسلام في حقيقته ليس فكرا خياليا ولا فلسفة، بل هو تنظيم للحياة موافق لما فطر الله عليه طبيعة خلقه، وهي في كمال إبداعها تناسق تام بين السمات الروحية والمادية للوجود البشري.
    • وهذا ما أعتقد أنه وراء تميز نوع الصلاة في الإسلام، حيث يتناسق الخشوع القلبي والحركات الجسدية  فيها.... ؛ فالصلاة في الإسلام تتكون من التركيز القلبي والحركات الجسدية؛ لأن الحياة البشرية مكونة من السِّمتين معا ، ولأنه يجب علينا التوجه إلى الله بكامل القوى التي أنعم الله بها علينا.
  • ولتوضيح أكثر لهذا الأمر ننظر إلى الطواف، وهو الدوران حول الكعبة في مكة، حيث يجب على كل مسلم يدخل المدينة المقدسة ( للحج والعمرة) أن يدور سبع مرات حول الكعبة... نسأل أنفسنا : ما معنى هذا؟ وهل من الضروري نظهر تديننا بهذه الطريقة الشكلية؟
    • والجواب: إذا تحركنا في دائرة حول شيء؛ فنحن نقرر أن هذا الشيء هو مركز عملنا. والكعبة التي يوليها كل مسلم وجهه في الصلاة ترمز إلى وحدانية الله، والحركة الجسدية للحاج في الطواف ترمز إلى نشاط الحياة البشرية، ومن ثم فالطواف يشير إلى أنه ليس الفكر التعبدي وحده  بل الحياة العملية: أعمالنا وأهدافنا يجب أن تكون وحدانية الله مركزا لنشاطها طبقا لقول الله تعالى : {وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون} .
  • وعلى هذا فالعبادة في الدين الإسلامي تختلف عن العبادة في أي دين؛ لأن العبادة في الإسلام لا تقتصر على الأعمال التعبدية المجردة، مثل الصلاة والصوم ، بل تمتد إلى كل الحياة العملية البشرية أيضا. وإذا كان الهدف العام لحياتنا هو عبادة الله؛ فلا بد أن ننظر إلى هذه الحياة على أنها مسؤولية أخلاقية متكاملة.
  • الإسلام يعلمنا أولا: أن العبادة لله في كل أعمال الحياة البشرية هي المعنى الحقيقي للحياة . وثانيا: أن تحقيق ذلك مستحيل لو قسمنا الحياة إلى قسمين ( مادي وروحي)؛ بل لا بد من ربطهما معا في تفكيرنا وفي أعمالنا.
  • فرق آخر بين الإسلام والأديان الأخرى : أن تعاليم الإسلام تعتني – ليس فحسب- بالعلاقات الغيبية بين الإنسان وخالقه ، بل تعتني أيضا بالعلاقات الأرضية بين الفرد ومحيطه الاجتماعي.
  • الإسلام وحده من بين كل الأديان يعلن أن الكمال الفردي البشري ممكن في الحياة الدنيا؛ فهو لا يؤجل تحقيق ذلك حتى يتم كبت الرغبات الجسدية. بخلاف ما في النصرانية والهندوسية والبوذية.
  • وعلى هذا فإن الإنسان سواء كان من الزهاد أم من المتمتعين بمتع الحياة ، وسواء كان من البدو المتنقلين في الصحراء، أو من أثرياء التجار ، فإنه ما دام مستسلما لشرع الله فله الحرية ليحيا حياته الشخصية حسب وجهته الطبيعية.
  • قاعدة هذه الحرية في الإسلام: الإنسان مفطور على الحق والخير، وعلى عكس الاعتقاد السائد بين نصارى [العصر] أن الإنسان يولد على الخطيئة، وعلى عكس التعاليم الهندوسية بأن أصل الإنسان منحط وغير طاهر ولا بد له من أن يخطو خطوات مؤلمة في سلسلة طويلة من التحولات في اتجاه تحقيق هدف الطهارة، فإن شريعة الإسلام تؤكد أن الإنسان يولد طاهرا، فإن لديه المقدرة على تحقيق الكمال البشري؛ قال تعالى: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}.
  • يمكن للإنسان المحافظة على طهارته الأصلية التي فطره الله عليها إذا عبد الله وحده واتبع شرعه خالصا لوجهه.
  • فكرة الخطيئة الأصلية أو الأساسية مناقضة لشريعة الإسلام ، وإنما يكتسب الإنسان الخطيئة بمحض إرادته إذا أساء استعمال قدراته الفردية التي خلقها الله له وأنعم بها عليه.
  • إننا نعد من المسلّمات أن الحياة بعد الموت، سوف تمنحنا ملكات وقدرات جديدة تمكن الروح البشرية من تطور إضافي في الإحساس والشعور.
  • الإسلام يبيح للإنسان أن يستمتع بكل المتع الدنيوية المشروعة دون أن يفقد توجهه الديني.
  • في الإسلام لا نعترف بوجود خطيئة موروثة لأن هذه الفكرة مضادة لاتصاف الله تعالى بالعدل؛ فالله لا يحمّل الطفل مسؤولية عمل والديه.
  • كما أنه لا توجد خطيئة موروثة في الإسلام فإنه لا يوجد أيضا خلاص شامل للبشرية؛ الخلاص والإثم في الإسلام فرديان، كل مسلم مسؤول عن (خلاص) نفسه، وهو يحمل في قلبه كل إمكانات نجاحه وفشله في اتباع شرع الله. قال الله تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}. وقال الله تعالى:{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى }.
  • يختلف الإسلام في نظرته إلى الحياة الدنيا عن نظرة الحياة الغربية التي تعشق هذه الحياة كما يعشق النهم الطعام، أما الإسلام فإنه ينظر إلى الحياة بهدوء واحترام، ولا يعبدها، ولكنه يعدّها مرحلة في الطريق إلى حياة أرقى، ولكنها مرحلة ضرورية، ليس له أن يحتقرها أو يستهين بحياته الدنيوية.
  • الإسلام يقود الإنسان إلى الشعور بالمسؤولية الخُلُقية في كل أفعاله صغيرة وكبيرة.
  • كل فرد مسلم لا بد أن يعد نفسه مسؤولا – إلى حد معين – عن كل ما يحدث حوله، وأن يجاهد لإحقاق الحق وإبطال الباطل في كل وقت ، كما نصت الآية من كتاب الله {كنتم خير أمة أخرجت للناس..}. وهذا هو التسويغ الخلقي للفعالية القوية للإسلام.
  • الغزو في صدر الإسلام كان توسيعا أحيانا ولم يكن مدفوعا بحب السيطرة ولم يكن له علاقة بالتعالي الاقتصادي أو الوطني ، ولا بالطمع في زيادة رفاهية المسلم على حساب غيره ، ولم يهدف إلى إكراه الكافرين على الإسلام ، وإنما كان يهدف من قبل ومن بعدُ إلى إيجاد بيئة أفضل لتطور الإنسان دينيا.
  • الفضيلة تحيا وتموت بقدر المسعى البشري لتحقيق نصرتها في الأرض.
  • في الإسلام الاعتبارات الخلقية فوق كل شيء وتحدد كل شيء أما الغرب الحديث فمحكوم في كل نشاطاته باعتبارات المنفعة العملية.
  • هناك فارق كبير بين فهم المسلم وفهم الإنسان الغربي لقيمة التقدم البشري. الغرب الحديث يؤمن بقدرة التطور الاجتماعي والأخلاقي للبشرية بمجموعهما من خلال إنجازاتها العملية.
    • أما وجهة نظر المسلم فهي مضادة لوجهة النظر الغربية المحدودة بالحركة المادية؛ فالإسلام يعدّ الإمكانات الخلقية للبشرية عامة ثابتة، لأنها غرست في كيان الطبيعة البشرية منذ وجدت... لأن الإسلام يقرر أصل الطبيعة البشرية، وهو الروح البشري، ليس مادة بيولوجية.
    • في الفكر الغربي زيادة المعرفة المادية والرفاهية معادلة للتطور الأخلاقي البشري ، وهذا خطأ ناتج عن تطبيق قوانين المادة على غير الماديات. وجذور هذا الخطأ تمتد إلى الاعتقاد الغربي الحديث بعدم وجود ما يسميه المسلم ( الروح). أما الإسلام المبني على إدراك غيبي مطلق يعدّ وجود الروح فوق كل شيء أو شبهة، ومع أن التقدم الروحي والتقدم المادي ليسا شيئا واحدا، لتعلقهما بجانبين مختلفين من الحياة البشرية ولا يعتمد أي منهما في تقدمه – بالضرورة - على الآخر ، فإنهما يمكن أن يتطورا معا، ولو لم يكن ذلك دائما.
  • وعلى حين يقرر الإسلام بوضوح ويدعو إلى التقدم الجماعي البشري ماديا، فهو ينفي بالوضوح نفسه إمكانية التطور ( الروحي) للبشرية عموما بطريق إنجازاتها العامة؛ لأن ... لا بد لكل فرد أن يسعى إلى الهدف الديني ( المطور للروح) بجهده ، وأن يبدأ وينتهي في هذا السعي بنفسه.
  • من واجب المجتمع تنظيم ظاهرة الحياة ليجد الفرد طريقه خاليا من العقبات – بالقدر المستطاع- بل ليجد التشجيع لتحقيق طموحه الروحي. لذلك شريعة الإسلام تعالج الجوانب الدينية والدنيوية معا في حياة المسلم، كما تعالج الجوانب الفردية والجماعية في الحياة.  وهذا التوازن لا يتحقق إلا بالاعتقاد بوجود الروح وبوجود غاية غيبية تحكم الحياة البشرية. لكن الغربي المتمدن مع شبه جحوده لوجود الروح، لا يجد أهمية عملية للسؤال عن الغاية من وجود الخلق ، فقد ترك الاعتبارات الغيبية وراء ظهره.
  • إن ما ندعوه ( الالتزام الديني ) إنما يقوم على الاعتقاد بوجود شريعة شاملة، وأننا نحن البشر ملزمون بالتقيد بأوامر هذه الشريعة ، ولكن الحضارة الغربية الحديثة لا تعترف بضرورة التزام الإنسان بأي شيء عدا المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية ، ومعبودها لا يتعلق بالدين بل بالرفاهية، وفلسفتها الحية الحقيقية للحياة تظهر في سعيها لتحقيق القوة لذاتها، وكل ذلك موروث من الحضارة الرومانية.
  • الحضارة الغربية لا تنكر الاعتقاد بوجود الله، ولكنها لا تترك مكانا ولا انتفاعا بهذا الاعتقاد في نظامها الفكري الحاضر.
  • العصر العلمي الحديث الذي نعيشه اليوم لم يبدأ في المدن الأوروبية المسيحية بل بدأ في الحواضر الإسلامية الكبرى. مثل : دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة ونيسابور وسمرقند، وكان تأثير ذلك على أوربا عظيما.
  • في الحقيقة نجد في نهاية القرن 18 وبداية 19 عددا من خيرة الشخصيات الدينية وأقواها في ميادين الفلسفة والفن والأدب والعلوم التجريبية، ولكن هذه الفكرة الدينية عن الحياة كانت محصورة في أفراد قليلين. أما الغالبية من الشعوب الأوروبية فلم تستطع أو ترغب أن تجد طريقا للعودة باتجاه الدين.
  • ربما كان أهم عامل فكري يمنع البعث الديني في أوروبا هو الاعتقاد بأن عيسى هو ابن الله ..فكانوا بين عقول فلسفية لم تأخذ فكرة البنوة لله حرفيا، بل فهموا أن الله أظهر رحمته في شكل بشري. وأخرى هم الأغلبية من النصارى الذين أخذوا كلمة ( ابن ) على معناها الحقيقي حرفيا؛ فقادتهم إلى فكرة إنسانية خيالية عن الله نفسه ؛ إذ أظهروه في شكل شيخ كبير طيب ذي لحية وافرة.... وبعد مضي القرون الوسطى لم يستطع المفكرون من الغربيين تعويد أنفسهم على قبول فكرة ( الإله – الأب ) الإنسانية ... فرفضوا فكرة الله ومن ورائها الدين نفسه..
  • بالإضافة إلى ذلك فإن فجر العصر الصناعي وما حققه من مظاهر التقدم المادي البراقة بدأ يوجه الناس إلى اهتمامات جديدة ..في خصومة مقصود ة لكل شكل ديني اعتنقه الإنسان.  
  • وخوفا من عودة سلطان الدين وأهله صارت أوروبا قائدا لكل شيء مضاد للدين من حيث المبدأ والفعل وبهذا عادت لإرثها الروماني القديم.
  • الغربي – عموما – سواء كان ديموقراطيا أم فاشستيا، رأسماليا أم شيوعيا ، عاملا يدويا أم مفكرا، فلا يعرف إلا (دينا) إيجابيا واحدا، ألا وهو عبادة التقدم المادي، والاعتقاد أنه لا هدف لنا إلا جعل الحياة أسهل. ومعابد هذا (الدين) هي المصانع الضخمة، والسينما، والمختبرات الكيميائية، وقاعات الرقص .. وقسيسوا هذا ( الدين) هم: أصحاب البنوك، والمهندسون، والممثلون في السينما، ورؤساء الصناعة، والرياضيون المتميزون. والنتيجة الحتمية لهذا الولع بالقوة والمتعة: إيجاد جماعات متعادية مدججة بالسلاح ، ومصرة على أن يقضي بعضها على بعض عندما وحيثما تتصادم مصالحها.
  • وفي التحول البالغ في الحياة الاجتماعية في الغرب؛ فإن هذه الأخلاق النفعية تزداد ظهورا. وكل الفضائل المتصلة بالرفاهية المادية للمجتمع مثل الكفاءة التقنية، والوطنية ، تشجع وتنمّى، وغالبا ما استعملت لتقييم الناس، وفي الوقت نفسه أخذت الفضائل القديمة المحكومة بالأخلاق مثل المحبة العائلية والعفة ،صارت تفقد أهميتها تدريجيا لأنها لا تقدم مصلحة مادية للمجتمع.
    • وقل مثل ذلك في العلاقات الأسرية فقلّ الاحترام وزالت حقوق العلاقات العائلية. ومثله الإخلاص الزوجي والعفة ؛ وهكذا يفقد الانضباط في العلاقات الجنسية ، ويحل محله الحرية الفردية غير المحدودة للجسم البشري.
  • هل من الممكن تكييف طريقة الإسلام في التفكير والحياة على نهج الحضارة الغربية؛ والعكس بالعكس؛ لابد ان يكون جوابه الرفض.
    • الهدف الأول والأهم في الإسلام؛ هو التقدم الأخلاقي للإنسان؛ وعلى هذا فإن الاعتبارات الأخلاقية تعلو على اعتبارات المنفعة الخالصة.
  • المستشرقون في كتاباتهم ينطلقون بوصف الإسلام متهما يجب إدانته .. ونتيجة هذا الإجراء الظالم صورة مشوهة غريبة للإسلام.
  • انتفعت أوروبا كثيرا من صراعها مع المسلمين في الحروب الصليبية ؛ فإن عصر النهضة فيها الذي اتسم بانتعاش الفن والعلوم الأوروبية بالاقتباس من المصادر المسلمة (بخاصة العربية) كان إلى حد كبير بسبب الاتصال المادي بين الشرق والغرب.
  • ما دام المسلمون مستمرين في النظر إلى الحضارة الغربية على أنها القوة الوحيدة القادرة على بعث مجتمعهم الراكد؛ فإنهم يدمرون ثقتهم بأنفسهم و – بطريقة غير مباشرة – يؤيدون الادعاء أن الإسلام ( قوة مستهلكة).
  • لا شك أن الاعتقاد الديني يفقد ثباته بين مثقفينا الذين تشربوا القيم الغربية. وهذا لا يعني أن الإسلام لا يحافظ على وجوده – بوصفه دينا عمليا – إلا بين غير المثقفين، وتفسير هذه الظاهرة ليس في أن العلم الغربي الذي تغذوا عليه قدم لهم حجة عقلية ضد حقيقة تعاليمنا الدينية، بل إن المناخ الفكري للمجتمع الغربي الحديث مضاد للدين إلى درجة فرض معها نفسه بقوة على الإمكانات الدينية للجيل المسلم الجديد.
  • إن التاريخ يثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه لم يوجد دين منح التقدم العلمي من الحوافز بقدر ما منحه الإسلام.
  • الشيء الذي يجب ألا يرغب فيه المسلمون هو النظر إلى الحياة بأعين غربية، والتفكير على النمط  الفكري الغربي.
  • المعرفة نفسها ليست غربية ولا شرقية، بل هي عالمية، كما أن حقائق الطبيعة عالمية ، ولكن زاوية النظر التي تقدم منها هذه الحقائق وينظر منها إليها تختلف باختلاف الصفات الثقافية للأمم.
    • فالعلم التجريبي – وهو غير مادي ولا ديني في ذاته – قد يقودنا إلى تفسيرات مختلفة جدا للكون قد تكون مادية أو دينية وفقا لطبائعنا، ومن ثمّ زاوية نظرنا.
  • إن أفضلية ثقافة وحضارة على أخرى لا تقوم على ما لديها من المعرفة العلمية ( ولو أن هذا أمر مرغوب فيه ) بل على ممارساتها الأخلاقية، وعلى مدى قدرتها على تفسير وموازنة مختلف نواحي الحياة الإنسانية، وفي هذا الاتجاه فإن الإسلام يفوق كل ثقافة أخرى.
  • لا يمكن إلا لأناس سطحيين جدا أن يعتقدوا أن من الممكن تقليد حضارة في مظهرها الخارجي دون التأثر بروحها. الحضارة ليست شكلا فارغا، بل هي كائن حي؛ فمتى بدأنا نتبنى الأشكال الخارجية لهذا الكائن، فإن اتجاهاته الفطرية وتأثيراته النشطة تبدأ بالعمل في أنفسنا وتكيف ببطء ودون شعور كل ميولنا العقلية.
  • لكي ينجح تجديد العالم الإسلامي ... لا بد للمسلم أن يحيا مرفوع الرأس، ولا بد له أن يدرك تميزه واختلافه عن بقية العالم، ولا بد له أن يتعلم الاعتزاز بتميزه واختلافه، ولا بد له أن يجتهد في المحافظة على هذا التميز والاختلاف بوصفه خاصية ثمينة.
  • إن هذا لا يعني أن يحجب المسلمون أنفسهم عن أي صوت صادر من الخارج؛ فمن الممكن أن يستقبل التأثيرات الجديدة المفيدة من حضارة أجنبية دون أن يهجروا حضارتهم.
  • الإسلام ليس اعتقادا في القلب وحسب، بل هو أيضا برنامج للحياة الفردية والاجتماعية بوضوح بالغ، ويمكن هدمه بربطه بثقافة أجنبية تقوم على قواعد أخلاقية تختلف عن قواعده.
  • الإسلام لا يمكن أن يكون شكلا فارغا. لقد استغرق نومه قرونا عدة، فإما أن يستيقظ وإما أن يموت.
  • المسلم اليوم كالمسافر الذي وصل مفترق الطرق، فهو قد يختار الوقوف عند هذا المفترق ، وهذا يعني الموت جوعا، وقد يختار الطريق الذي تشير إليه علامة:( إلى الحضارة الغربية)، وهذا يعني مفارقته ماضيه إلى الأبد ، وقد يختار الطريق الذي تشير إليه علامة : ( إلى حقيقة الإسلام ) وهذا الطريق وحده هو  الذي يجتذب من يؤمن بماضي الإسلام وبقدرته على التحول إلى مستقبل حي.
  • السُنة هي المفتاح لفهم الإسلام قبل ثلاثة عشر قرنا؛ فلماذا لا تكون المفتاح لفهم وضعنا الحاضر اليوم من الضعف؟ 
  • السنة هي القدوة التي وضعها الله لنا في أقوال وأعمال النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه؛ فحياته العظيمة كانت بيانا وتوضيحا حيا للقرآن، ومن الوفاء للقرآن الكريم اتباعنا للنبي صلى الله عليه وسلم.
  • لا يُظهر فهما عميقا للإسلام من يفرق بين أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه المتعلقة بالأمور الدينية والروحية؛ وبين أوامره ونواهيه المتعلقة بالمسائل الاجتماعية والحياة اليومية. 
  • زعم ساذج: من يفكر أن بعض الأوامر والنواهي العامة في القرآن خاصة بالعرب الجاهليين في زمن نزول الوحي، وليست للمثقفين في القرن العشرين.
  • يخبرنا الوحي والعقل أن خير مفسر للقرآن هو من أنزل عليه ليبينه للناس.
  • إن جامعي الحديث - وبخاصة البخاري ومسلم – قد فعلوا كل ما يمكن للبشر فعله لوضع صحة كل حديث موضع الاختبار الدقيق جدا ، أكثر بكثير مما يفعله المؤرخون الغربيون لاختبار صحة وثيقة تاريخية.
  • الإسلام يقود الإنسان إلى توحيد كل اتجاهات حياته.
  • لا يوجد مكان في الإسلام للانتقاء. وسواء جاءت تعاليمه من القرآن أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد من قبولها بكاملها ، وإلا فلا قيمة لقبولها.
  • لن يدعي شخص غير متحيز أن في القرآن ما يناقض العقل ، وبلا شك يوجد في القرآن من الغيبيات ما يتجاوز حدود فهمنا الحاضر؛ ولكن لا شيء فيه مما يهين الذكاء الفطري.
  • المبالغة في الثقة بهذه العقلانية القاصرة  هي أحد أسباب رفض كثير من مسلمي هذا العصر الاستسلام لاتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكننا لا نحتاج إلى ( كانت ) اليوم ليثبت أن الفهم البشري محدود جدا في إمكاناته. العقل غير قار على فهم فكرة الكلية؛ قد يستطيع إدراك تفاصيل الأشياء وحدها، ولكننا لا نعرف معنى الأبدية والأزلية ، بل نحن لا نعرف ما الحياة ؟ وفي قضايا الدين القائمة عل أسس غيبية فإننا نحتاج إلى دليل يملك من التفكير أكثر مما تملكه العقول العادية، وأكثر من العقلانية الشخصية التي يملكها كل منا. نحن نحتاج إلى بشر يوحى إليه ، أي إلى نبي. وما دمنا نؤمن بأن القرآن كلام الله ، وأن محمدا رسول الله ؛ فإننا ملزمون – أخلاقيا وعقليا – باتباع هداه مطلقا.
  • نحن لا ننظر إلى عقيدة الإسلام بوصفها واحدة من السبل ، بل ننظر إليها على أنها وحدها السبيل ، وإن الرجل الذي هدانا الله به إليها ليس واحدا بين عدد من الهداة ، بل هو وحده الهادي.
  • ما هي مشكلة الإسلام اليوم ؟ هل استنفذ قوته ؟ هل انقضى زمن الفائدة منه ؟ وهل أعطى العالم كل ما يمكن أن يعطيه ؟
  • يخبرنا التاريخ بأن كل الثقافات والحضارات البشرية تمر بكل المراحل التي تمر بها الحياة العضوية: تولد وتشب وتبلغ أشدها وفي النهاية تضمحل.
  • هل هذه الحال مع الإسلام ؟
    • إذا كنا نؤمن بأن الإسلام ليس مجرد ثقافة بين عدد من الثقافات ، وليس مجرد فكر بشري بين عدد من الأفكار. بل هو قوة منتجة للثقافة. شرع أنزله الله تعالى لتتبعه البشرية في كل زمان وفي كل مكان؛ فإن وجهة النظر إليه تتغير تماما. فإننا لا يمكن أن نقرر – كما في الثقافات البشرية – أنه مقيد بانقضاء زمن معين أو محدد بفترة زمنية معينة. وما يظهر من ضعف في الإسلام ليس إلا موتا وفراغا في قلوبنا، وقد صارت غافلة ولاهية إلى درجة أعجزتنا عن سماع صوت الحق الخالد.
  • لا تظهر أية إشارة إلى أن البشرية في حالتها الحاضرة اليوم قد تجاوزت الإسلام فهي لم تتمكن من انتاج نظام أخلاقي خير مما تضمنه الإسلام، ولم تتمكن من وضع فكرة الأخوة البشرية على أساس عملي كما فعل الإسلام في معنى الأمة، ولم تتمكن من إيجاد بنية اجتماعية متسامحة كما في شريعة الإسلام، ولم تتمكن من إعلاء كرامة الانسان وشعوره بالأمن ورجائه الأخروي ، وكذلك سعادته ، كما فعل الإسلام. 
  • لدينا كل الأسباب لنعتقد أن الإسلام قد دلت عليه كل الإنجازات البشرية الصحيحة؛ لأنه قررها وأشار إلى صحتها قبل تحقيقها بزمن طويل. وبالقدر نفسه دلت عليه أيضا النواقص والأخطاء والعقبات التي صاحبت التطور البشري؛ لأنه حذر منها بقوة ووضوح قبل أن يتبين البشر هذه الأخطاء بزمن طويل.
  • نحن في غير حاجة إلى إصلاح الإسلام؛ لأن الله أكمله لنا من قبل، وما نحن في حاجة إلى إصلاحه، إنما هو موقفنا من الدين.
  • التغيير لا بد منه ، ولكنه لا بد أن يكون تغييرا لما بأنفسنا ، وأن يكون باتجاه الإسلام لا بُعدا عنه.
  • الطريق مفتوح للتجديد، أولا : أن نتجنب بدعة الاعتذار للإسلام التي هي سمة الانهزامية ، ومجرد غطاء لضعف ثقتنا به.

 ثانيا: لا بد من اتباعنا الواعي الحازم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهي الترجمة العملية لتعاليم الإسلام، وبتنفيذها سنقيم المعيار الأمثل للتمييز بين ما يمكن أخذه من حوافز الحضارة الغربية وغيرها وما يجب أن نرفضه.

  • لن نتقدم مرة أخرى إلا إذا استعدنا ثقتنا بأنفسنا. ولن نصل إلى الهدف بتدمير نظمنا الاجتماعية وتقليد حضارة أجنبية ، أجنبية ليس عن محيطنا التاريخي والجغرافي فحسب ، بل عن ديننا أيضا. وقد بين الله لنا الطريق في كتابه المبين: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب: 21].




ترجمة المقال