2014/09/01 ميلادية
الاثنين 6/11/1435 هجرية    
المسجد منبر الجمعة الجريمة أسبابها وعلاجها
lang_03 lang_05  lang_07  lang_09

. . .



الجريمة أسبابها وعلاجها طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب عبدالله الغامدي   
الخميس, 20 أغسطس 2009 03:39
Share

Share

الحمد لله شرع العقوبات حدوداً وتعزيرات , وقصاصاً وديات , تطهيراً للنفوس حال انحرافها وإجرامها وحفظاً للأمة واستقرارها , وردعاً لمن همه السعي في فسادها وإفسادها . (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) .
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , أغير الخليقة على محارم الله وأزكاها القائل :" أقيموا حدود الله في القريب ولبعيد ، ولا تأخذكم في لله لومة لائم "[ رواه ابن ماجة وحسنه الألباني ].
وحذر أمته من الوقوع فيما أهلك الأمم السابقة فقال :" إنما أهلك الذين قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "[ رواه البخاري ].
صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أنبياء الله ورسله جميعاً ، ورضي الله عمن اتبعهم واقتفى أثرهم ليوم الدين .



عباد الله :

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عملاً بأوامره وبعداً عن حرماته , ووقوفاً عند حدوده , وأخذاً بوصية حبيبنا عليه الصلاة والسلام :" اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها , فمن ألم بشيءٍ منها فليستتر بستر الله ، وليتب إلى الله ؛ فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله "[ حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ].

أيها المؤمنون :

إن المسلم ليتأثم أن يقتل حيواناً مفترساً بمثل ما نسمع ونقرأ عن بشاعة صور من تلك الجرائم وطرقها ؛ فمسلسل القتل في معظمها بشع , يقف منه شعر الرأس لمجرد سماع أحداثه , فكيف لو رآه الإنسان لأصيب بالدوار , ولكن السامع يصاب بالإغماء إذا علم أن الضحية هي أم , حملت ووضعت وأرضعت وسهرت وعن وليدها الأذى غسلت , مؤملة عطفه يوم كبرت , وبره وحدبه يوم احدودبت , أهذا جزاؤها , وثم الجنة عند قدميها قتلة وأي قتلة !!
ويؤلمك جريمة رجل غليظ الكبد , قاسي القلب , صلد الفؤاد , كجلمود صخر حطه السيل من عل , أقدم في الأسبوع الماضي على خطف فتاتين قاصرتين , براءة الطفولة تعلو محياهما , وتكسو وجههما , ولك أخي تفسح لخيالك ومشاعرك , تصور حال هاتين الصغيرتين وهما بين يدي وحش كاسر رعبهما وخوفهما , ذهولهما .. بكاؤهما ..بل استنجادهما ..فلا منجد نداءهما ..فلا مجيب صراخهما ..فلا منقذ .
لك أن تعيش ترجيهما فكاك الأسر ، وإطلاق القيد ، ولكن دون جدوى أمام قلب لم تلجه رحمة ولا داخلته خشية , كم هي ساعات خانقة تلك التي عصفت بهما ، وقد نهش الوحش الغادر بمخالبه عفتهما ومرغ بالفحش طهرهما , أما إن سألت عن أسرتيهما فأب مكلوم قد التاع كمداً وحرقة , وأم قد ارتمضت أسى وشجوى , وجزعت أسفاً ولهفا على فقيدتها مع من ؟ لا تدري أين ؟ لا تدري . ما شأنهما ؟ لا تدري . ماذا يفعل بهما لا تدري .

إنها الجريمة المروعة للدول ، المفزعة للمجتمعات ، المقلقلة للأسر , الجريمة بشتى صورها وأنواعها :
من سرقة ،ونهب، وسطو، وقتل ,وزنا، ولواط , واغتصاب وخطف , وقرصنة وحرابة , وقذف وبغي , الجريمة التي ما أنشبت في أمة أظفارها , وسرى زعاف سمها في إرجائها , وعمت بفوضاها أنحاءها , إلا وترحل عنها طيب عيشها ,و تعطلت من جرائها مصالحها وتزعزع بنيانها :
فما لطعامها هناء , ولا لأعراضها وحرماتها وقاء , ولا لجهدها وكفاحها نماء، ولا لأدوائها ومصابها دواء .
بل يصبح الفرد فيها في حالة استنفار دائم , وخوف وذعر قائم أن يهراق دمه أو تهان حرمته , أو يختلس ماله نتيجة لعدوانية مجرم أو لصوصية سارق , أو طيش منحرف , أو نزقة مخمور , عندها تدب في أوصال الأمة وصفوفها الشائعات المفرضة والأراجيف الكاذبة , فيضطرب الأمن ويختل الشأن .

أخي المؤمن :

هذه بعض آثار الجريمة على الفرد والأسرة والمجتمع ناهيك عما تستنزفه من أموال الدولة لتمويل أجهزة الأمن ، ومكافحة الجريمة ، وحماية الطرق ، ونحو ذلك .

- أما أسباب الجريمة فكثيرة هذه بعضها :

1) ضعف الإيمان ومراقبة الله في النفوس :
قال عليه الصلاة والسلام :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ".
إن الإيمان عقيدة يختزنها الجنان , وكلمة يرددها اللسان وعمل يصطبغ به السلوك يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
هذا الإيمان هو أساس المعالجة، وأساس الوقاية وقاعدة الخوف من الله وخشيته ؛ مما حدا بهابيل أن يقول لأخيه قابيل . (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) .
خوف الله ..الذي حجز يوسف عليه الصلاة والسلام من مواقعة الإثم !
مراقبة الله والحذر من عقابه ..الذي جعل من ذلك الصحابي وتلك الصحابية، يأتي كل منهما إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام ليطهرهما بحد الزنا ، رجماً يقام عليهما !
إنه الضمير الحي , واليقظة الإيمانية ..التي حملت ذلك الرجل في خلافة علي رضي الله عنه فأتى معترفاً بسرقته ؛ لتقطع يده ! إنه المعنى العظيم والركن المتين الذي يرعوي بالنفس عن غيها، ويأخذ بخطامها عن سفهها وطيشها .
إنه الرادع الآمن، والسياج المنيع، والحصن الحصين، الذي إن نمت عليه النفوس وربت ، انبتت من كل زوج بهيج . (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) .
كان السلف رحمهم الله يوصي بعضهم بعضاً بقولهم :[ زهدنا الله وإياك في الحرام , زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه ؛ فتركه من خشية الله ] .
2) من أسباب الجريمة عدم تحكيم شرع الله في حياة الناس ؛ مما جرأ العصاة ,وأتاح للمجرمين فرص إشاعة الفساد، والفاحشة، وفسح الطرق لضعاف النفوس لخلخلة الأمن وزعزعة الاستقرار، ونشر الفوضى والاضطراب !
يرى ذلك ويبصره من اطلع على معدلات الجريمة المتزايدة , لا أقول في بلدان غير مسلمة بل حتى دول مسلمة ؛ وما ذاك إلا لتحكيمها قوانين وضعية، ودساتير غربية انحنت بالبشرية أمام الجريمة كأنها تريد التفاهم معها، أو فرض التعايش السلمي تجاهها ,فبعد أن حاربت أمريكا الخمور بضراوة انهزمت فأباحتها , وبعد أن فشا التحلل الأخلاقي أصبحت جريمة الزنا اختيارية لا عقوبة عليها، وانجر على ذلك الشذوذ الجنسي وغيره !
وتضحكك هذه القوانين من واضعيها!
ففي الوقت الذي يحاربون فيه التدخين على سبيل المثال بما يسمى بالتوعية الصحية بأضرار التدخين تجدهم في المقابل يبيحون صناعته وزراعة مكوناته , كما الشأن في المخدرات والخمور وغيرها .
وإن من تحكيم شرع الله إقامة الحدود . (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
إن من الناس صنفاً غليظاً :ناشري فوضى ،ومهدري حقوق، ومرخصي أرواح، لا يجدي فيهم توجيه رفيق، ولا وعظ بليغ، فلا بد لهم حينئذ من عقوبة زاجرة، وقوة صارمة؛ تقطع عليهم الطرق، وتكف عن المجتمع شرورهم، وقد جاء في الأثر :" إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ".
فكما عصم الدين بحد الردة، والنفس بقتل من قتلها , فكذلك صينت الأعراض بحد الزنا وحد القذف , والأموال بحد السرقة , والعقل بحد الخمر ونحوه ..
أما الواصمين لشرع الله وحدوده بالرجعية والقسوة وأللا إنسانية فنقول لهم :
نعم ديننا دين رحمة ورأفة ورفق ويسر , ومن الرحمة الأخذ بلا هوادة على يد ذئاب الأعراض، ولصوص الأموال، ومزهقي الأرواح، وما أنزل الحديد إلا ليكون فيه باس شديد ومنافع للناس ؛ لذا جاء الإسلام مقرراً قاعدة لبناء المجتمع السوي الآمن المطمئن ألا وهي . (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) .
إنه الحق العام والرحمة بالمجتمع , فمن سرق مال رجل فكأنما سرق المجتمع كله كذلك من قتل أو خطف أو ..الخ
ولكن ليعلم أنه كي تجدي إقامة الحدود جدواها وتؤتى ثمارها فلا بد من توافق تطبيق شرع الله في حياة الناس كلها؛ إذ كيف تقام شواطئ العري والتفسخ ثم يقام حد الزنا! وكيف يؤذن بالخمور بيعاً وشراءً حاناة وبارات ثم يجلد المخمور!
لقدجاءت العقوبات الشرعية في ديننا تأديباً لا تعذيباً، وتهذيباً وتقويماً لا انتقاماً وتشفياً وظلماً ؛ حتى بلغ من سمو ديننا أن ورد النهي عن شتم الذي جاء مقراً بالزنى !
ونهى عن تثريب الأمة إن زنت، وإنما يقام عليها الحد! ونهى عن لعن من جلد في الخمر مراراً !

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).


بارك الله لي ولكم في القرآن ..................................


الخطبة الثانية



الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير ، والصلاة والسلام على صفوة الخلق وأزكى البرية صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن على هديه قضى ومضى وسلم تسليماً كثيراً .


أمة الإسلام :
3) ومن أسباب الجريمة ودوافعها :
رفقاء السوء، وصحبة الشر، وإخوان الخيانة والغدر، ألا فليحذر كل أب على أبنائه منهم وليكن عليهم رقيباً، ولتصرفاتهم وذهابهم ومجيئهم حسيباً .

4) وسائل الإعلام :
فيا الله ..كم جرم اقترفت، وكم هاوية أودعت، وكم شهوة أشعلت، وكم غريزة حركت وأوقدت، على مستوى التلفاز مروراً بالفيديو صعوداً إلى الدش دخولاً في عالم الانترنت مناظر إغراء وصور تخدش الحياء , وتميط عن دواعي الفاحشة الغطاء؛ فكم صرعت من عفاف؟ ووأدت من طهر؟ وأوقعت في خنا؟ وهتكت من ستر؟
بل كم خرجت من مجرمي خطف ونهب ومكر واحتيال ؟!
5) الفراغ والبطالة :
إذ أن من أكبر ما يشل حركة المجتمعات ويعوق مسيرتها تضخم عدد العاطلين فيها؛ فهم حمل ثقيل ، وعبء مخيف ، إذا لم توفر لهم فرصة العمل وسبل الوظيفة , فإن لم تشغلهم شغلوك ، وإن لم تستثمرهم أرهقوك .
6) التفكك الأسري :
بطلاق أو فراق أو انشغال ؛ فكم هم الجانون سلوكياً من جراء هذا التصدع الأبوي والانهيار البيتي .
7) الفقر والعوز :
لذا لم يقطع عمر رضي الله عنه عام الرمادة يد من سرق ؛ فغلاء المعيشة ، وقلة ذات اليد وتزايد متطلبات الحياة ، وضيق العمل ،كل ذلك مدعاة لمن ضعف إيمانه، وانحرفت نفسه إلى السرقة ولا عذر .
8) اليتم والترمل ،وشرب المسكرات ،وتعاطي المخدرات ،والظلم والبغي ،ومنع العمال والمستحقين مرتباتهم، كل ؛لك وأضرابه من محفزات الجريمة ،ودواعي الشطط، إذا لم يتدارك برحمة من عنده .
أخي القائم على حدود الله :
ألا إن مسببات الجريمة عديدة كثيرة : من تستر على المجرم، و حيلولة دون إقامة الحد ،وإتباع الهوى، وغير ذلك مما لم يذكر ، ولكن هل من معالجة وتقويم واستصلاح وتهذيب ؟
نعم .. ببناء الفرد الصالح ، والأسرة الخيرة، والمجتمع المتآخي.
وكم للعبادة من أثر ، وللطاعة من شفاء .(وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ).
إن الإسلام قبل أن يقيم الحدود على جناتها ، رغب ورهب، ووعد وتوعد، ووعظ وأنذر، وهدد وحذر ، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان وأمن وإيمان، وكما أمر بالتشهير بإقامة بعض الحدود، فلقد فتح في المقابل باب التوبة والأوبة ؛ لذا كان لزاماً على الأمراء والعلماء والوجهاء التعاون فيما بينهم لفتح المجالات أمام الجمعيات الخيرية والمكتبات العلمية والمراكز الصيفية والأنشطة الأسرية والمخيمات الدعوية والمحاضرات الدينية التربوية ؛ لتنهض بدورها ، وتؤدي رسالتها في شغل أوقات الناس واستثمارها فيما يعود عليهم بصلاح دنياهم وأخراهم .

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا