2014/04/23 ميلادية
الأربعاء 23/6/1435 هجرية    
المسجد منبر الجمعة مسؤولية الآباء في تربية الأبناء
lang_03 lang_05  lang_07  lang_09

. . .



مسؤولية الآباء في تربية الأبناء طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب الشيخ حسن السبيكي   
الأربعاء, 19 مايو 2010 17:30
Share

Share

                                                                 بسم الله الرحمن الرحيم


يقول الله تعالى : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا  ، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون }  الأعراف: 57.


كذلك بيت الأسرة المسلمة ، يلزم أن يكون بلدا طيباً يخرج نباته بإذن ربه ، ذرية طيبة مباركة ، صالحة مصلحة . فإذا كان من الوظائف الأساسية للأسرة المسلمة ومقاصدها ، الإحصان لحماية العرض ، و الإنجاب لضمان النسل ، فإن التربية هي الأهم والأسمى في رسالتها الدينية والدنيوية . ولكي تنجز هذه المهام ، على الوجه السليم القويم ، لابد أن تقوم على القواعد الشرعية والأخلاق الإيمانية ، حتى تكون ربانية  الوجود والحياة ، عقيدة وعبادة وأخلاقا . يسودها الجو الصحي المناسب للعشرة الطيبة ، والنافع للتربية الصالحة .


إن الأبناء هبة ربانية ، ونعمة عظيمة من المنعم الوهاب { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ، ويجعل من يشاء عقيما ، إنه عليم قدير } ، وهم من زينة الحياة { المال والبنون زينة الحياة الدنيا }، وذلك بقدر ما يتصفون بالصلاح والاستقامة فيكونون قرة أعين لآبائهم ، وإلاّ فهم مصدر  فتنة و شقاء  ، ولقد تعددت أدعية الأنبياء والمرسلين يسألون الله تعالى الذرية الصالحة ، كقول إبراهيم الخليل عليه السلام :{ رب هب لي من الصالحين ، فبشرناه  بغلام حليم } ، ودعاء زكريا { رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين . فاستجبنا له ووهبنا له يحيا وأصلحنا له زوجه ..} .


إن الأبناء عطاء رباني كريم يستوجب الشكر ، لا باللسان وحده ، ولكن بما هو أعمق وأبلغ ، وهو إحسان تربيتهم على ما يرضي الله تعالى ، ويجعلهم صالحين  مصلحين ، وبذلك يكونون حقاً قرة أعين ، كما هو مطلب عباد الرحمن المؤمنين :{ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما..} ، وإنما تقر الأعين بصلاحهم وطاعتهم لله تعالى .


ولما كان بيت الأسرة هو المنبت الأول والمحضن الأساس لتربية الأبناء ، فإنه يستلزم استكمال الشروط المادية والمعنوية التي تجعله بيئة صالحة لتنشئتهم  على ما ينمي قدراتهم وملكاتهم ، جسمانيا ونفسيا وعقليا وخلقيا ،ويوجههم التوجيه الحكيم الرشيد ، لمواجهة أعباء الحياة وحسن الاندماج فيها فاعلين بالخير . وهنا أهمية دور الآباء  ورسالتهم التربوية ذات الأمانة العظيمة والمسؤولية الجسيمة ، حملها ثقيل بالتكاليف ، وحسابها عسير يوم القيامة ، حيث يسأل الآباء قبل الأبناء ؛ لأنهم يتحملون أمانة الفطرة الربانية النقية في أبنائهم : { فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم } ، فطرة لا تنحرف عن وجهتها الربانية تلقائيا ، وإنما يكون انحرافها بانحراف التربية عن النهج القويم، وبفساد الأجواء التي تنشأ فيها . كذلك يذكرنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فيقول : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) رواه البخاري .


إن مسؤولية الآباء التربوية، واقعة بين دافع المحبة لهم ، وواجب الدين نحوهم . فإذا كان حب الذرية مركوزا في النفس الإنسانية بالفطرة ، بمقتضى حكمة خلق الله تعالى ورحمته ، فعليها يبنى واجب الدين في تربيتهم على الإيمان وحسن الخلق . والآباء في ذلك أمام اختبارين شديدين : فإما هي محبة للأبناء حقيقية صادقة ، فشاهدها صدق العناية بهم، أو هي طاعة لله تعالى فيهم بتنشئتهم على الإيمان والصلاح ، فبرهانها العمل فيهم بالبرنامج التربوي الإسلامي . وإلا فإن التفريط والتهاون في كلا الجانبين ، فاضح للمحبة الكاذبة والتنكر لأمر الله تعالى الذي يوصي بوقايتهم من مسالك الفساد والهلاك :{ يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ..} ، والأبناء من الأهل ، ولا سبيل لوقايتهم من النار إلا بحمايتهم من كل ما يؤدي بهم إلى الانحرافات والضلالات والمعاصي ، ولا يكون ذلك إلا بالتربية الإسلامية الصحيحة التي تجعلهم من أهل الإيمان والتقوى والاستقامة .


ولقد قرر الإسلام كل القواعد والضوابط اللازمة لبناء بيت التربية الصالحة ، الذي تعمه أجواء الإيمان والأمان والفضيلة ، بدءا من اختيار الزوجين إلى علاقة المودة والرحمة بينهما إلى ضمان حقوق الأبناء في الوجود والرضاع والإنفاق والميراث وغيرها .وذلك لضمان صحة البيئة التربوية الأولى ، لتصح الأجواء المناسبة لرسالة التنشئة والتربية الصالحة النافعة . ثم كانت الوصايا والتوجيهات بين القرآن والسنة النبوية أساسا لبرنامج تربوي إسلامي دقيق وشامل لبناء الإنسان المسلم الرباني .


فالقرآن الكريم مليء بالقصص التربوي والمواعظ و التوجيهات في أحوال الآباء وأبنائهم وأحوال الأبناء وآبائهم ، وكلها أمثلة تعليمية تربوية واقعية في السلوكيات المحمودة المطلوبة، أو الأفعال المذمومة المرفوضة ، تتخللها التوجيهات الربانية الحكيمة على أساس القدوة العملية المقنعة والمؤثرة  .


خذ مثلا من وصايا لقمان لابنه وهو يعظه ويرشده: { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ..} ،إلى قوله تعالى { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر  واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } لقمان 14ـ18 . فهذه الوصايا برنامج الهي مركز بأركان التربية الإسلامية ، حيث أوصاه أولا بالتوحيد وهو أساس الدين كله ، ثم الصلاة وهي عمود الدين ، ثم أمره بمكارم الأخلاق في السلوك والمعاملة، فجمع له أركان الإيمان والعبادة والمعاملة .

كذلك يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بحمل الأبناء على إقامة الصلاة بالترغيب والترهيب : ( مروا  أولادكم بالصلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليه لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع ) أبو داود . و يبين عليه الصلاة والسلام قيمة التربية الخلقية فيقول : ( ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن ) الترمذي . ولكل طور من أطوار العمر عند الأبناء ما يليق به من السلوك التربوي ، كما روي عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال : ( لاعب ابنك سبعا ، وأدبه سبعا ، واصحبه سبعا ، ثم اترك حبله على الغارب ) . وهذه الخطوات التربوية في توصية عمر ،من أدق ما تضافرت عليه النظريات التربوية في التدرج مع الأبناء تربويا وفق ما يناسب أعمارهم .


وأبلغ ما في المنهج التربوي الإسلامي ، هو التربية بالقدوة ، وذلك منطلق رسالة الدعوة مع جميع الأنبياء والرسل في أقوامهم ، ومع خاتم النبيين الذي جعله الله تعالى :{ أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ؛ فكان القدوة الرفيعة الحميدة في كل شيء من أموره الدينية والدنيوية ، رسولا مبلغا وزوجا مثاليا وإماما وقائدا ..{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } . وكذلك رسالة الآباء التربوية، عمادها وبرهانها المقنع والمؤثر هو في القدوة الصالحة. فالأبناء يتأثرون أكثر بأفعال وأحوال آبائهم  . فحين يجدون آباءهم  على الإيمان والصدق والعبادة وحسن الخلق فيما بينهم ومع الناس ، يلمسون منهم الخطاب التربوي المقنع والفاعل حين يؤمرون بذلك . لكنهم حين يؤمرون بما لا يجدون من آبائهم ، أو ينهون عما يجدون ، فإن ذلك قاتل لعنصر الثقة بهم ومبطل لمصداقية توجيهاتهم . وتلك حال كثير منهم مع أبنائهم الذين لا يجدون فيهم مظاهر الإيمان الحي ولا التزاما تعبديا ولا استقامة خلقية ، بل يرون ضعف الإيمان والتقاعس في العبادات والكذب والغش والإدمان على المحرمات والمنكرات كالدخان والخمر و التبرج والملاهي وغيرها ، فكيف تجدي منهم الأوامر والنواهي نحو أبنائهم ، والله تعالى يقول { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ؛ فكم من منكرات وانحرافات في الأبناء ما هي إلا انعكاسات وآثار لقدوات سيئة من الآباء الذين لا يشعرون بها أو لا يكترثون .


                                          لا تنــه عن خلـق وتأتـي مثلـــه..          ..عــار عليك إذا فعلـت عظيــــــم


                                        ابـدأ بنفسك فانههــا عن غيهـــا..             ..فإذا انتهــت عنه فأنت حكيـــــم


                                         فهنـاك يسمع ما تقول ويشتفى            بالقــول منـك وينفــــع التعليـــم


جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه  يشكو إليه عقوق ابنه وسوء معاملته ؛ فهم عمر بتأنيب الغلام الذي بادره يقول :يا أمير المؤمنين ، إذا كان للوالد حقوق على ولده ، أليس للولد على والده حقوق ؟

قال عمر : بلى ، قال : فما هي ؟

قال : أن يحسن اختيار أمه ، ويحسن تسميته ، وأن يعلمه الكتاب .

فقال الغلام : أما أبي فإنه لم يفعل شيئا من ذلك ؛ فإن أمي أمة زنجية يعيرني بها، وقد سماني "جعل" ( خنفساء)، ولم يعلمني شيئا من القرآن. فالتفت عمر إلى الرجل يقول : جئت تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك!!.

إن كثيرا من مشاكل الأبناء وانحرافاتهم يمكن علاجها انطلاقا من تصحيح الأوضاع التربوية في البيوت التي تسربت إليها عوامل الفساد والاضطراب ، فدمرت فيها قابلية التربية السليمة كليا أو جزئيا . وهل تجدي صيحات الشكوى والاحتجاج والتسخط  منا ، ونحن نلقي باللائمة على كل شيء إلا على أنفسنا.

والأبناء في كل حال أبرياء ضحايا ظلم مضاعف واقع عليهم من جهتين : من الداخل بتفريط الآباء وتقصيرهم في أمانة التربية ومسؤولية الرعاية ، ومن الخارج بكثرة عوامل الغواية والتضليل والإفساد . لكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة، وقد أصبح كثير من الأبناء أيتام التفريط و الإهمال :


                                             ليس اليتيم من انتهى أبواه من        هـم الحيـاة وخلفــاه ذليـــــلا


                                              إن اليتيـم هو الذي تلقــى لــــه       أمــا تخلــت أو أبـــا مشغـــولا


قد نلقي باللائمة على التلفاز والفيديو والانترنيت والشارع والرفقة السيئة وما فسد من الإعلام عموما ، وكل أولئك عوامل مدمرة لأبنائنا ولا ريب . لكن السبب الأعمق في أوضاع البيوت أولا ، حين لم يجدوا من يشبعهم عاطفيا ويرشدهم سلوكيا ، ويأخذ بأيديهم في متاهة الفتن  ، ويعمل على تقوية مناعاتهم الفطرية والإيمانية تجاه المؤثرات الخارجية السلبية، ويحسن قيادتهم وتوجيههم . قد يقول قائلنا ، انه لم يقصر في شيء من لوازم وضرورات عيش أبنائه ، في المسكن والمطعم والملبس والعلاج والتمدرس والترفيه، و كل ذلك لازم ومحمود ، ولكن الأبناء أحوج إلينا فيما هو أهم وأولى وأغلى ، وهو الغذاء الروحي الإيماني والخلقي ،الذي يشبعهم بضرورات الاستقامة على الطاعة لله تعالى، والتزام النظام والنظافة والهدوء والسماحة في التعامل مع الغير ورباطة الجأش أمام المشكلات ، ونحو ذلك من الصفات النفسية الإيجابية التي هي من صميم الإسلام لبناء النفس الإنسانية القوية السوية ، القادرة على التفاعل الحيّ مع قيم الحق والخير والجمال .

 

 

                                                الخطبــــة الثــانيــــة

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) مسلم عن أبي هريرة .

أيها الآباء  الكرام ، ماذا يتبقى  بعد الموت ، من حياة فانية ، إلا الأعمال الصالحة النافعة الثلاثة :

الصدقة الجارية التي  يستمر نفعها فيستمر ثوابها ولو بعد الموت ، والعلم النافع الذي يثمر الأجر لصاحبه كل حين ، والولد الصالح البار الذي يدعو لوالديه بالخير  . وإذا تأملتم كل ذلك تجدوه ثمرة طيبة لتربية طيبة حسنة ، هي التي أنبتت إرادة الخير بالصدقات والعلم النافع والذرية الصالحة ، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه .


فماذا نريد أو نؤمل في أبنائنا إلا أن يكونوا  لنا قرة أعين . وهل لدينا ، بعد توحيد الله تعالى وحسن عبادته ،من مشروع حياة أهم وأولى من تربية أبنائنا والسهر عليهم بالعناية والرعاية والتوجيه والإرشاد، ليكونوا صالحين مصلحين على نور من ربهم ، فإنما سعادة الأسرة والمجتمع بمقدار سعادة الأبناء، والرضا عن مصائرهم في الدنيا والآخرة .


فمن أراد الخير لأبنائه ، فليجعل البيت لهم محضنا طيبا ومدرسة تربوية رشيدة نافعة ، وليكن حاضرا معهم بقدوته ولسانه ، ليغرس فيهم محبة الله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، ومحبة الخير للمسلمين وللناس أجمعين.


و قبل أن نلوم أبناءنا أو ندين الأوضاع الصعبة التي تحيط بهم، وعناصر الفتنة التي تتربص بهم ، علينا أن نسائل أنفسنا، هل نحبهم حبا حقيقيا يدفعنا بصدق وإخلاص لنحسن تربيتهم ؟


وهل استجبنا فيهم لأمر الله تعالى بتنشئتهم على الإيمان به وتوحيده والتنافس في طاعته ،والعمل على وقايتهم من سبل الهلاك في الدنيا والآخرة ؟


وهل أنشأناهم على كريم الأخلاق ، و عاملناهم منها بالرحمة والعطف والمواساة .؟


أم إن مشاغلنا الدنيوية المادية من الأموال والمناصب والديار والمقاهي والملاهي ، هي أولى من فلذات أكبادنا ؟


أسئلة لابد أن نجيب عنها بضمائر حية وعقول نيرة ، معترفين بأننا مفرطون مقصرون ، وهانحن نرى في أجيالنا عواقب ذلك ، فهل من مدكر معتبر .


فلنتق الله تعالى في أمانة أبنائنا وهي عظيمة،ومسؤولية تربيتهم وهي جسيمة ، ولنذكر قول النبي الكريم : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته  ).


جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب .

 


-        الشيخ : حسن السبيكي ـ المغرب

آخر تحديث: الأربعاء, 19 مايو 2010 18:06
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا