2014/10/23 ميلادية
الخميس 29/12/1435 هجرية    
المسجد منبر الجمعة إنما المؤمنون إخوة
lang_03 lang_05  lang_07  lang_09

. . .



إنما المؤمنون إخوة طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب حسن السبيكي ـ المغرب   
الأربعاء, 16 فبراير 2011 17:13
Share

Share

يقول الله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } (آل عمران 103)

 

كثيرا ما تثار التساؤلات حول واقعنا الأليم : ما الذي جعل كثيرا من مجتمعاتنا الإسلامية مضطربة مشحونة العلاقات بنوازع التباغض والتنافر والصراع .؟ ما الذي غاب عن كثير منا فافتقد مشاعر المحبة والرحمة والتسامح وحوافز التعاون والتكافل ؟ وماذا أضاعه الكثير منا فضعفت بسببه وحدتنا الإسلامية ، وخفتت هيبتنا وانهارت عزتنا بين الأمم ؟ كيف استبدت القطيعة عند الكثير حتى بذوي القرابة والأرحام والجوار ؟ وكيف تكدرت أجواء العلاقات بين كثير من المسلمين أفرادا وجماعات ومجتمعات ؟ ولماذا ضعفت غيرة كثير من المسلمين على كرامة إخوانهم الذين يقتلون و يحاصرون أو يهدم عليهم الأعداء بيوتهم ، فلا يتحرك ضميرهم لنصرتهم أو تحريرهم ولا حتى لإعانتهم ..؟


أسئلة كثيرة ومريرة تنبعث من أحوالنا ، لكن السبب الأعمق بين كل الأسباب والعوامل في هذه الأحوال واحد ، هو في ضعف الإيمان، وضعف في مبدأ الأخوة الإسلامية .

 

ولا غرابة أن يكون مبدأ أخوة الإيمان أسمى و أثمن منحة ربانية للمسلمين من بعد نعمة الإسلام . كذلك نقرأ في الآية الكريمة السابقة خطاب تذكير وامتنان من الله تعالى ، يذكرهم بنعمة الإسلام ويمتن عليهم بأن ألف بين قلوبهم ، فأصبحوا بالإسلام إخوانا ، تجمعهم رابطة الإيمان والمودة بعد أن كانوا من قبل يعيشون على الضغائن و الأحقاد والعداوات .

 

كذلك كانت العلاقات قبل الإسلام مادية أنانية، تحكمها العصبيات والنزعات القبلية والعرقية والمذهبية والمصالح الدنيوية الذاتية ، عليها يلتقي أكثر الناس قليلا و يفترقون كثيرا ، يوالون حينا و يعادون أحيانا . ولما جاء الإسلام حرر أتباعه من تلك النزعات ،وسما بهم إلى مراتب النبل والكرامة ، حين صنع بالعقيدة والإيمان ، تلك الأخوة العجيبة ، القائمة على رابطة الدين ، والتي تجمع وتؤلف بين المسلمين في وحدة قوية متينة ، بالرغم من تباين أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعشائرهم وبيئاتهم وأقاليمهم .

 

وكان النموذج الأول لهذه الأخوة في مجتمع الصحابة، قدوة  وأساسا لمجتمع الأمة كلها عبر التاريخ ، باكتماله ورقيه في الوحدة والتلاحم والانسجام ، لا فضل فيه لعربي على عجمي ، ولا لأبيض على أسود ولا لغني على فقير إلا بالتقوى ، رابطة الدين فيه فوق كل الروابط ، وعلاقة الإيمان فوق كل العلائق { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }. أخوة سامية ذابت فيها كل أسباب وعوامل التنافر والتفرقة والمعاداة ، لتضم في وفاق واتساق حميمي أمثال سلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي وأبي ذر الغفاري وعمر القرشي ، وغيرهم كثير من النماذج التي كانت من قبل متباينة أو متعارضة في العقائد والأعراق والانتماءات ، لكنها انصهرت بحكمة الإسلام في بوتقة الإيمان والأخوة لتأخذ صبغة ربانية أصبح فيها الجميع إخوة الجميع، في صورة وحدوية بديعة لم تعرف لها البشرية مثيلا في غير الإسلام والمجتمع الإسلامي .

 

تلك الأخوة الفاضلة المتميزة والممتازة التي أمتن الله تعالى بها على رسوله بما ألف حوله من قلوب الصحابة الأخيار وأثنى عليهم : { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ  وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ( الانفال63 )

 

خذ مثلا بليغا وناصعا من قصة المؤاخاة الفريدة التي أنجزها النبي صلى الله عليه وسلم بين الأنصار والمهاجرين عند هجرته إلى المدينة ، وهم من قبائل وأعراق شتى ، عاشوا قبل الإسلام على العصبيات والصراعات والحروب .  فآخى بينهم جميعا ، لا على روابط النسب ، ولا على وشائج القرابة ، ولا على المصالح الدنيوية المادية ، بل على ما هو أقوى وأغلى وأسمى ، وهو رابطة العقيدة و الإيمان ، التي أصبحوا بها إخوانا تحكمهم المودة والرحمة والنصرة والإيثار ، يتحابون في الله ويتنافسون في التعبير عن صدق الإيمان و الأخوة بينهم بالتعاون والتكافل والتناصر ، يبتغون بذلك رضا الله ورضوانه دونما تعلق بشيء من متاع الدنيا، ولا اعتبار لشيء من رواسب ماضي العصبيات. وحسبهم من الفضل والثناء قول الله تعالى فيهم  جميعا ،مهاجرين وأنصارا ومن جاءوا بعدهم:{ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا انك رؤوف رحيم } (الحشر8ـ10).

 

و لا عجب أن تسجل الروايات أروع القصص الواقعية لمشاهد تلك الأخوة الإيمانية الفاضلة ، بما يقارب صنائع الخيال ، وما هي بخيال ، ولا بمستكثرة على حكمة الإسلام وشريعته الربانية. أخوة كالتي حملت سعد بن الربيع الأنصاري ، وقد آخى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بينه وبين المهاجر عبد الرحمن بن عوف ، فقال سعد لأخيه في الإيمان : ( إني أكثر الأنصار مالا ، فأقسم لك نصف مالي ، وانظر أي زوجتي هويت؛ تنازلت لك عنها؛ فإذا حلت لك تزوجتها ! )، أريحية في الإيثار سامية ولا شك . لكن جواب ابن عوف كان مثالا آخر رفيعا في التعفف بعزة الإسلام ، إذ يقول لأخيه :( بارك الله لك في أهلك ومالك يا أخي ، ولكن دلني على السوق! ).

 

ومع ذلك فإن الإسلام لم يلغ روابط النسب والقرابة الدموية ، بل أقرها ورعاها ونظمها وقواها ، ورفع قدرها ، و اشتق الله لها من رحمته اسما فسماها الرحم ، ووعد بالثواب العظيم من أدى حقوقها ، وتوعد بسخطه وعقابه من تنكر لها . لكنه اشترط لها رابطة العقيدة والإيمان ، فجعل أخوة الدين أولى وألزم من أخوة الدم والقرابة. فإذا اختلف ذوو القرابة دينا واعتقادا، فلا أخوة ولا قرابة ولا مودة ولا ولاء بعد ذلك ، وتبقى المعاملة بالحسنى مع الجميع . يقول الله تعالى :{ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [المجادلة:22]. ويقول سبحانه :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ) التوبة23) .

و يقص القرآن الكريم علينا في ذلك أمثلة من سير الأنبياء ، كما في حال الأب المؤمن مع ابنه الجاحد ، في قصة نوح عليه السلام الذي خاطب ربه في ابنه حين شمله العذاب مع الهالكين :{ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ }(هود 45) وكما في حال الابن المؤمن مع أبيه الكافر ، في قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، الذي تبرأ من أبيه بعدما تيقن من إصراره على الكفر :{ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } ( التوبة 114)

 

وللأخوة الإسلامية  أساس في الإيمان ، وجوهر في المحبة ، وثمرات في البر والإحسان ، لا تينع فتؤتي أكلها إلا بقدر ما يتحقق التلازم والتكامل بين طاقة الإيمان المغذية للتآلف بين قلوب المؤمنين ، وحرارة المحبة الصادقة المتبادلة بينهم ، وعلى العكس كلما ضعف الإيمان تضعف معه مشاعر المودة وتتلاشى وشائج الأخوة فتقل أو تنعدم الثمار المرجوة في التواصل والتفاعل بين المسلمين . فإن وجدت مظهر أخوة من غير إيمـان ، فإنما هي التقـاء على مصالح ظرفية ، وإن بدا لك إيمان بدون أخوة عملية ملموسة فاعلم أنه إيمان ناقص يعوزه برهان الصدق والإخلاص .

 

ـ  فالأساس الإيماني للأخوة يقوم بما يلتقي عليه الإخوة المؤمنون من أصول الاعتقاد والانتماء والولاء لرب واحد لا شريك له ، وكتاب واحد لا مثيل له ، ورسول خاتم لا نبي بعده ، ودين واحد لا بديل له . فتكون وحدة الإيمان والاعتقاد قاعدة صلبة لقيام كل معاني التوحيد والوحدة توافقا و تجانسا ، في العقول تصورا وتفكيرا ، وفي القلوب إحساسا وشعورا ، وفي السلوك تصرفا وتدبيرا .

 

ـ وجوهر الأخوة وروحها هو في المحبة التي تنطلق أولا من  حب الله تعالى وكتابه ورسوله، حب ولاء وبراء ، ثم تمتد بين المؤمنين ، فتصبح برهان الإيمان وأوثق عراه ،كما اخبر الصادق الأمين :( أوثق عرى الإيمان : الموالاة في الله والمعاداة في الله ، والحب في الله والبغض في الله ) (أحمد والحاكم )، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله  ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يقذف في النار ) ( الشيخان والترمذي ) . ثم تتسع هذه المحبة لتجعل المجتمع الإسلامي ، بالمؤمنين المتآخين ، جسدا واحدا في التكامل والتجانس والتآزر بأعضائه ، محبة ومودة ورحمة ،في صورة بديعة لا يبين عنها إلا التوصيف البليغ من النبي صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (البخاري ومسلم) . وذلك أيضا من شروط صحة الإيمان وتمامه كما هو معلوم من الحديث النبوي : ( والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير ) (صحيح الجامع ).

 

إن الإيمان الصحيح الراسخ والأخوة الصادقة الفاعلة ، دعامتان تأسس عليهما وجود الآمة الإسلامية في منطلقها الأول ، ثم قامت عليها أمجاد الجهاد  والفتوحات  واعتلاء مقامات الرقي والعزة والمهابة ، مع سلف الأمة الذين آتاهم الله تعالى من النصر والتمكين والعزة بقدر ما كانوا يعملون بمقتضى قوله تعالى :{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (آل عمران 103). فكانوا جسدا واحدا في البنيان والكيان ، وقلبا واحدا في الشعور والوجدان ، وصفا واحدا في الصلاة والقربات ، ويدا واحدة في النصرة والتعاون وفي الجهاد وحماية البلاد . ولسان حالهم في قول الشاعر :

 

يا أخي المسلم في كل مكان وبلد           أنت مني وأنا منك كروح في جسد


وحدة قد شادها الله أضاءت للأبـــد           وتسامت بشعار: قل هو الله احــــد

 

واليوم وقد ضاعت كثير من مظاهر الوحدة بين المسلمين وعم الشقاق والافتراق ، وضعفت هيبة الأمة ، وتداعى عليها الكثير من الأعداء بالاحتلال والقهر و الإذلال ، فلا طريق إلى بناء وحدة الأمة الإسلامية من جديد، وامتلاك عناصر القوة الغائبة، إلا بإحياء أخوة الإيمان وتوطيد بنيانها .. ولقد أدرك الأعداء قديما وحديثا سر هذه الأخوة الإسلامية وفعاليتها في الوجود الإسلامي ووحدة الأمة ، فراحوا يعملون ، بكل مخططاتهم وأساليبهم العلنية والخفية للحيلولة دون قيام كيانها من جديد ، وما ينتظر منهم غير ذلك بحكم دوافع أحقادهم العقدية والتاريخية التي حذر الإسلام منها في آيات وأحاديث كثيرة  .

 

ومهما يكن فعل الأعداء ، فإن منبع الداء والوباء هو في الأمة الإسلامية نفسها ، التي لم يعمل كثير من أبنائها بمقتضى أخوة الإيمان ، وأبت إلا أن تسقط فأبوا إلا أن يسقطوا فيما يناقضها ، في غفلة عن وصايا القرآن الكريم وتحذيراته :{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }(آل عمران 46) ووقوع فيما نهى عنه البشير النذير عليه الصلاة والسلام :( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره . التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ( رواه مسلم ) . دستور نبوي جامع لأخلاق الأخوة الإسلامية ، بصيغ الإثبات والنفي ، ولكن أين ذلك من نواقض الأخوة التي تفشت فينا بقدر ضعف الوازع الديني والخلقي ، فتضعضع البنيان الوحدوي وانهارت دعائم الثبات والاستقرار والمنعة داخليا وخارجيا ، وحضر الضعف والوهن والهوان .

 

الخطبـــة الثانيـــة


يقول الله جل وعلا :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ  تُرْحَمُونَ } (الحجرات 10)

 

آية قرآنية وجيزة وبليغة في رسم الصورة الحقيقية لهوية المؤمنين بصيغة القصر والحصر ، بحيث لا تتصور لهم هوية بعد الإيمان إلا في كونهم إخوة في الله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة }.  الإيمان والأخوة فيهم ركنان متلازمان متكاملان ، يدعم كل منهما الأخر ويشهد له بحقيقة الوجود أخوة إيمانية لا تتقبل شيئا مما يقطع أواصرها القوية الراسخة بين المؤمنين ، إلا أن يكون كفرا صريحا ، وإلا فالمسلم أخو المسلم على كل حال . والمؤمنون جميعاً كأنهم روح واحد ، حل في أجسام متعددة ، أو هم كأغصان متشابكة تنبثق كلها من دوحة واحدة ، تسقى بنبع رباني .

 

ورد في الأثر أن أبا الدرداء رضي الله عنه مر على أناس يشتمون رجلا أصاب ذنبا ، فقال لهم : أرأيتم لو وجدتموه في بئر ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا بلى . قال : فلا تسبوا أخاكم ، واحمدوا الله الذي عافاكم . قالوا: أفلا تبغضه لمعصيته ؟ قال : إنما أبغض عمله ، فإذا تركه فهو أخي ! ) ( حياة الصحابة).

 

يالها من كلمة طيبة مفعمة بمشاعر الإيمان والأخوة : ( لا تسبوا أخاكم ) وأطيب منها وأزكى : (... فهو أخي ) . وتلك من ثمار التربية النبوية ، فيها استجابة ،ولا شك، لوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنها : ( لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم ) (البخاري ) . إنه مهما تكن الأخطاء والخطايا بين المسلمين ، فلا شيء يعلو على ما يمتد بينهم من وشائج المودة والرحمة والعفو ومقابلة الإساءة بالإحسان :{ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (فصلت:34.)

 

ولابد لأخوة الإسلام من تجليات ومقتضيات يلتقي فيها المسلمون جميعا على أخلاق فاضلة ، وحقوق وواجبات متبادلة ، تتأسس على دعائم ثلاثة مثلما هو حال الإيمان : صدق القلب والوجدان  ، وإقرار وتعبير باللسان ، و فعل البر والإحسان ،  فلا تقوم ولا تستقيم إلا بتكاملها وتظافرها لدى المسلم نحو أخيه شعورا وتعبيرا وسلوكا .

 

فلو كانت مجرد أخوة قلبية فحسب دون استجابة عملية في الأقوال والأفعال ، لبقيت شعورا جامدا لا دفء فيه ولا نور ولا أثر ، كمن يؤمن بالله تعالى ولا يطيعه ، ويعلم فرضية الصلاة ولا يقيمها . ولو كانت الأخوة تصريحا باللسان فقط ، لأصبحت شعارا عقيما ليس وراءه حقيقة صدق ولا عمل ، وذلك مظهر نفاق { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } وهذه حال كثير ممن يدعون الأخوة ولا أثر لها في قلوبهم ولا في معاملاتهم . ولو كانت الأخوة عملا مجردا من حرارة المشاعر القلبية الصادقة ،لكانت محاكاة وأدوارا  كفعل الممثل الذي يؤدي دوره المسرحي بأفعال قد لا يكون لها وجود في أخلاقه وحياته العادية . لا بد إذن أن تكون الأخوة المعلنة شعورا صادقا، وسلوكا عمليا ملموسا في حياة المسلم، وفي علاقاته مع أخوته المسلمين جميعا.

فيأيها المسلمون ، اعملوا على إحياء مبدأ الأخوة بينكم ؛ فإنها من أَوثق عرى الإيمان وأقوى معانيه، وإنها الأكسير الرباني المفعم بأسرار العلاج الناجع لكثير من أمراض الحياة الاجتماعية والسياسية والحضارية لهذه الأمة .

 

ـ إن أقاربكم جميعا إخوانكم في الدين والإيمان  ، فأحسنوا معاشرتهم ، وصلوا فيهم أرحامكم . وإن جيرانكم الأقربون والأباعد إخوان لكم ، فأكرموهم بحسن الجوار ولا تؤذوهم بشيء . واذكروا وعيد النبي الكريم للمرأة الصوامة القوامة التي هي في النار لأنها تؤذي جيرانها .  وان زملاءكم في العمل ،أيا كانوا ، هم إخوانكم ، فارعوا فيهم أخوتهم بحسن المعاملة قولا وعملا .  وإن المصلين معكم في بيوت الله تعالى إخوانكم ، فتواضعوا لهم واخفضوا لهم جناح الرحمة واللين والعفو.  وإن جميع الفقراء والمساكين وذوي الاحتياج إخواننا فلنعمل فيهم بمقتضى الأخوة رحمة وعونا وإنجادا ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) .  وإن المسلمين جميعا ، في كل بقاع الأرض إخوان لنا ، مهما اختلفت بهم الأجناس واللغات وتباعدت الأوطان  ، من واجب الأخوة الإسلامية محبتهم والاهتمام بهم والغيرة عليهم ومشاركتهم أفراحهم وآلامهم ، ونصرتهم على الأعداء ، وأن الله تعالى لا يرضى القطيعة بين المسلمين ، مهما كانت الأسباب والذرائع.

 

(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا انك رؤوف رحيم )

 

 

 

آخر تحديث: الخميس, 17 فبراير 2011 22:32
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا